الشيخ محمد رشيد رضا
626
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الآية الأولى من هذه السورة وأعيدت هنا ليعطف عليها قوله وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ أي ولا تتولوا وتعرضوا عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم والحال أنكم تسمعون منه كلام اللّه المصرح بوجوب طاعته وموالاته واتباعه ونصره ، والمراد بالسماع هنا سماع الفهم والتصديق والاذعان الذي هو شأن المؤمنين الذين دأبهم أن يقولوا ( سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ) والموصوفين بقوله عز وجل ( فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ، أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ) * * * ثم قرر هذا المعنى وبين مقابله بقوله وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ وهم فريقان ( الأول ) الكفار المعاندون ( 4 : 45 مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا - لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ - وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ ، وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ) وأمثالهم من الكفار المعاندين والمقلدين ، وورد فيهم آيات سيذكر بعضها هنا ( الثاني ) المنافقون الذين قال تعالى في بعضهم ( 47 : 17 وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ما ذا قالَ آنِفاً ؟ ) وتقدم في سورة الأعراف من صفات أهل النار في الدنيا ( وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ) مع آيات أخرى والمراد في هذا كله انهم لا يسمعون سماع تفقه واعتبار يتبعه الانتفاع والعمل * * * ثم علل الامر والنهي بقوله إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ الدواب جمع دابة وهو كل ما يدب على الأرض قال في سورة النور ( 24 : 43 وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ ) الآية وقلما يستعمل هذا اللفظ في الانسان وحده وانما يغلب في الحشرات ودواب الركوب ، فإن كان قديما فهو هنا يشعر بالاحتقار والمعنى ان شر ما يدب على الأرض في حكم اللّه الحق هم الأشرار من البشر « الصم » الذين لا يلقون السمع لمعرفة الحق والاعتبار بالموعظة الحسنة فكانوا يفقد